ابن قتيبة الدينوري

80

الإمامة والسياسة ( بيروت )

والسهام . قال : وكتب موسى إلى عبد العزيز ببلاء زرعة بن أبي مدرك وما أوصله ، وأنه لولا ذلك أوفده إلى أمير المؤمنين ، ففرض له عبد العزيز في مائة ، وفرض لثلاثين رجلا من قومه ، وانصرف موسى قافلا ، وذلك في سنة أربع وثمانين . غزوة موسى في البحر قال : وذكروا أن موسى أقام بالقيروان بعد قفله شهر رمضان وشوال ، فأمر بدار صناعة بتونس [ ( 1 ) ] وجر البحر إليها ، فعظّم عليه الناس ذلك ، وقالوا له : هذا أمر لا نطيقه ، فقام إلى موسى رجل من مسالمة البربر ، ممن حسن إسلامه ، فقال له : أيها الأمير ، قد مر عليّ مائة وعشرون سنة ، وإن أبي حدثني أن صاحب قرطاجنة 283 لما أراد بناء قناتها ، أتاه الناس يعظمون عليه ذلك فقام إليه رجل فقال له : أيها الملك ، إنك إن وضعت يدك بلغت منها حاجتك ، فإن الملوك لا يعجزها شيء بقوتها وقدرتها ، فضع يدك أيها الأمير ، فإن اللَّه تعالى سيعينك على ما نويت ، ويأجرك فيما توليت . فسرّ بذلك موسى ، وأعجبه قول هذا الشيخ . فوضع يده ، فبنى دار صناعة بتونس ، وجر البحر إليها مسيرة اثني عشر ميلا ، حتى أقحمه دار الصناعة ، فصارت مشتى للمراكب إذا هبت الأنواء والأرياح . ثم أمر بصناعة مائة مركب ، فأقام بذلك بقية سنة أربع وثمانين ، وقدم عطاء بن أبي نافع الهذلي في مراكب أهل مصر ، وكان قد بعثه عبد العزيز يريد سردانية ، فأرسى بسوسة ، فأخرج إليه موسى الأسواق ، وكتب إليه أن ركوب البحر قد فات في هذا الوقت وفي هذا العام . فأقم لا تغرر بنفسك . فإنك في تشرين الآخر ، فأقم بمكانك حتى يطيب ركوب البحر قال : فلم يرفع عطاء لكتاب موسى

--> [ ( 1 ) ] دار الصناعة : يعني ترسانة بناء السفن وميناء تأوي إليه . قال العريني : أدرك عبد الملك أهمية القوة البحرية في فتح إفريقيا ، فطلب إلى والى إفريقيا موسى بن نصير بأن يقيم بها قاعدة بحرية وبعث إليه من مصر ألفا من صناع السفن ، بأسراتهم ليسهموا في عمارة البحرية . . . على أن موسى لم يشيد دار الصناعة والقاعدة البحرية في قرطاجنة بل اتخذ لذلك موضعا يقع إلى الداخل ، على بحيرة وأمر بحفر قناة تتصل بين البحيرة والخليج ، وبذلك أهمل قرطاجنة ونهضت مدينة تونس ، وأصبحت تونس مرفأ مأمونا للسفن الإسلامية ، بفضل موقعها في الداخل ، وبعدها عن خطر الغارة البحرية المفاجئة . وبادر موسى إلى تشييد سفنه في دار الصناعة التي أنشأها حديثا ( الدولة البيزنطية ص 169 ) .